الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

487

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل

يحييها الذي أنشأها أول مرة وهو بكل خلق عليم ( 1 ) ( 2 ) . بعض المفسرين طرح هنا سؤالا ، وهو أن هذا الدليل إذا كان صحيحا ، بأن كل شخص إذا ما عمل عملا فإنه قادر على إعادته ، فلماذا نقوم بأعمال ثم نعجز عن تكرارها أحيانا ؟ فمثلا قد ننشد قطعة شعرية رائعة جدا ، أو نكتب بخط جميل جدا ، غير أننا بعد ذلك نجتهد في الإتيان بمثله ولكن دون جدوى . الجواب هو : صحيح أننا نقوم بأعمالنا بإرادة واختيار ، إلا أن هناك سلسلة من الأمور غير الإرادية تؤثر في أفعالنا الخاصة أحيانا ، فإن حركة واهتزاز يدنا غير المحسوس يؤثر أحيانا في دقة شكل الحروف . إضافة إلى أن قدرتنا واستعدادنا ليسا متساويين دائما ، فقد تعرض أحيانا عوامل تعبئ كل قوانا الداخلية ، ونستطيع أن نبدع في الأعمال ونأتي بأعلاها ، إلا أن هذه الدوافع تكون ضعيفة أحيانا ، فلا تستجمع كل الطاقات ، ولذلك فإن العمل الثاني لا ينفذ بدقة وجودة العمل الأول . إلا أن الله الذي لا تنتهي قدرته ، لا تثار حوله هذه المسائل ، ولا تقاس قدرته على أعمالنا وقدراتنا ، فإنه إذا عمل عملا فإنه يستطيع إعادته بعينه بدون زيادة أو نقصان . ثم تهدد الآية التالية منكري المعاد ، والمجرمين الكافرين : فوربك لنحشرنهم والشياطين ثم لنحضرنهم حول جهنم جثيا . إن هذه الآية توحي بأن محكمة الأفراد الكافرين والمجرمين قريبة من جهنم ! والتعبير ب‍ " جثيا " - مع العلم أن جثي جمع جاثي ، وهو الذي يجثو على ركبتيه - ربما كان إشارة إلى ضعف وعجز وذلة هؤلاء ، حتى أنهم لا قدرة لهم على الوقوف أحيانا .

--> 1 - يس ، 77 - 79 . 2 - لقد بحثنا حول هذا الدليل في ذيل الآية ( 29 ) من الأعراف تحت عنوان ( أقصر دليل لإثبات المعاد ) .